ابن عجيبة

434

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أبو جابر عبد اللّه بن عمرو بن حرام ، وقال لهم : ارجعوا ( قاتلوا في سبيل اللّه أو ادفعوا ) ، أي : كثروا سواد المسلمين ، فقال ابن أبيّ - رأس المنافقين - : ما أرى أن يكون قتالا ، ولو علمنا أن يكون قتال ( لاتبعناكم ) ، وكنا معكم . قال تعالى : هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ ؛ لظهور الكفر عليهم من كلامهم ، فأمارات الكفر عليهم أكثر من أمارات الإيمان ، أو : هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان ، لأن رجوعهم ومقالتهم تقوية للكفار عليهم وتخذيل للمسلمين ، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ، فهم يظهرون خلاف ما يبطنون ، لا تواطئ قلوبهم ألسنتهم بالإيمان ، وإضافة القول إلى الأفواه تأكيد وتغليظ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ منكم بِما يَكْتُمُونَ من النفاق ؛ لأنه يعلمه مفصلا بعلم واجب ، وأنتم تعلمونه مجملا بأمارات . وهؤلاء المنافقون هم ( الذين قالوا ) في شأن إخوانهم الذين قتلوا يوم أحد : لَوْ أَطاعُونا وجلسوا في ديارهم ما قُتِلُوا ، قالوا هذه المقالة وقد قعدوا عن الخروج ، قُلْ لهم يا محمد : فَادْرَؤُا أي : فادفعوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنكم تقدرون أن تدفعوا القتل عمن كتب عليه ، فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه حين يبلغ أجلكم ، فإنه أحرى بكم ، فالقعود لا ينجى من الموت إذا وصل الأجل ، فإن أسباب الموت كثيرة ، فقد يكون القعود سببا للموت إن بلغ الأجل ، وقد يكون الخروج سببا للنجاة إن لم يبلغ . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : وما أصابكم يا معشر الفقراء عند توجهكم إلى الحق فارين من الخلق ، حين استشرفتم على الجمع وجمع الجمع فبإذن اللّه ؛ فإن الداخل على اللّه منكور ، والراجع إلى الناس مبرور ، وليظهر الصادق من الكاذب ، فإن محبة اللّه مقرونة بالبلاء ، والطريق الموصلة إليها محفوفة بالمكاره ، مشروطة بقتل النفوس وحط الرؤوس ، ودفع العلائق ، والفرار من العوائق . فإذا قيل للعوام : قاتلوا أنفسكم في سبيل اللّه لتدخلوا حضرة اللّه ، أو ادفعوا عن أنفسكم العلائق لتشرق عليكم أنوار الحقائق ، قالوا : قد انقطع هذا الطريق واندرست أرباب علم التحقيق ، ولو نعلم قتالا بقي يوصلنا إلى ربنا ، كما زعمتم ؛ لاتبعناكم ودخلنا في طريقكم . هم للكفر يومئذ أقرب للإيمان ، حيث تحكموا على القدرة الأزلية ، وسدوا باب الرحمة الإلهية ، وإنما يقولون ذلك احتجاجا لنفوسهم ، وإبقاء على حظوظهم ، وليس ذلك من خالص قلوبهم ، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم . وإذا نزل بأهل النسبة نكبة أو بلية ، قالوا لإخوانهم ، الذين دخلوا في طريق القوم ، وقد قعدوا هم مع العوام : لو أطاعونا ولم يدخلوا في هذا الشأن ، ما قتلوا أو عذبوا ، فقل لهم أيها الفقير : القضاء والقدر يجرى على الجميع ، فادفعوا عن أنفسكم ما تكرهون ، إن كنتم صادقين أن المكاره لا تصيب إلا من توجه لقتال نفسه . واللّه تعالى أعلم بأسرار كتابه .